فصل: مسألة حبس حبسا صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث على نفر ما عاشوا:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة بيع الثمرة قبل أن يبدو صلاحها:

ومن كتاب الأقضية والحبس:
وقال فيمن أخذ حائطا مساقاة على النصف، ثم سأله صاحب الحائط بعد ما عمل أو قبل أن يعمل أن يرد ذلك عليه فيرد ذلك إليه ويخرج من المساقاة بِرُبُع الثمرة إذا طابت إن ذلك لا بأس به؛ لأنها مساقاة منه إليه مؤْتَنَفَةٌ، قالا: ولوكانا رجلين أَخَذَا حائطا مساقاة على أن النصف لهما والنصف لصاحب الحائط، ثم سأل أحدُ الرجلين صاحبَه أن يخرج من الثمرة إن ذلك لا بأس به أيضا، قال: وكذلك لو كانا شريكين في حائط لهما أصله فسأل أحدهما صَاحِبَه أن يخرج له من الحائط وسلم إليه جميع الثمرة ولا يعرض فيه جزء من الثمرة إن ذلك لا بأس به؛ لأنها مساقاة، ولكن لو سأل أحدُهما صاحبه يسلم إليه الثمرة بدنانير أو دراهم أو عرض أو حيوان أو غير ذلك لم يصلح في شيء من جميع وجوه هذه المسألة كلها الذي لأن ذلك بيع الثمرة قبل أن يبدو صلاحها، ولكن لو كان حائط لرجل أو كانا حائطين لرجلين شريكين وأحدهما رجلان مساقاة أو أخذهما رجل مساقاة فسأله رب الحائط أن يخرجه منه بجزء من حائطه أو سأل أحد الشريكين صاحبه أن يخرجه من أحدهما بجزء من الآخر أو سأل ذلك أحد العاملين منهما بالمساقاة صاحبه أن يخرجه من أحدهما بجزء من الأجزاء لم يكن في ذلك كله خير ولم يصلحِ لأن ذلك بيع الثمرة قبل أن يبدو صلاحها من كلا الفريقين جميعاَ.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد تقدم القول فيها وفيما كان من معناها في رسم البيوع من سماع أشهب فلا وجه لِإعادة القول فيه وبالله التوفيق.

.مسألة المرسين لا تجوز فيه المساقاة:

ومن كتاب البيوع:
قال: وسئل مالك عن المرسين يساقي وقيل له إن له أصولا تعظم وتطول وتُقِيمُ السنين فإنه يجزء منه الشتاءَ والصيفَ وليس له إبان معلوم، يجزء أشهر معلومة ثم ينقطع، فهذا يحل بيعه يعني في كل حين إذا أثمر أوله الذي يشتري عليه، يشتريه سنة أو سنتين مثل الموز والقصب، قال: وما حل بيعه فلا يحل فيه مساقاة، ولا مساقاة في المرسين.
قال محمد بن رشد: المرسين هو الريحان وقد تقدم في أول سماع سحنون أنه كالبقل لا تجوز فيه المساقاة مثل قوله هاهنا، وقد اختلف في ذلك، فحكى ابن المواز عن ابن وهب إجازة مساقاته، وحكى عن ابن القاسم أن ذلك لا يجوز ثم رجع فأجازه وبَنَى على هذا، قال محمد: وأحَب إلي أَلَا يجوز لأنه كالموز والقصب إلا أن تكون أشجارها ثابتة، وإنما تقطع منها حيطانها النابتة في كل عام، وقولُ ابن المواز ينبغي أن يحمل على التفسير للقولين فنقول إنه إنما أجاز المساقاة فيه قبل أن يحل بيعه، ومنع منها بعد أن يحل بيعه كالبقل الذي يجوز فيه المساقاة إذا نَبَتَ قبل أن يحل بيعه حسبما مضى القول فيه في سماع سحنون، وقول ابن القاسم وما حل بيعه فلا تحل مساقاته خلافُ قول سحنون المتقدم في سماعه، وقد مضى القولُ على ذلك هنالك فلا معنى لإِعادته وبالله التوفيق.

.مسألة مساقاة البعل:

قال أصبغ سألت ابن القاسم عن زيتون يكون بالمغرب ساقى فيها صاحبه على أن يحرثه للمساقي ليس عليه علاج غيره ولا سقي، فقال: هذا بعل وكذلك الكروم والنخل من البَعل، فهذا لا بأس به، وهو أمر الناس في مساقاة البعل وعليه مع هذا قطفها وتنقيتها وحراستها، قلت أرأيت إِن اشترط حمل نصيبه إلى منزله إلى المدينة أو اشترط ذلك المساقي على العامل؟ قال: لا خير فيه، هذه زيادة يزدادها، قلت أرأيت إن كان ذلك قريبا؟ قال مَا يُعجبني إلا أن يكون شيئا ليس عليه فيه مؤنة، قلت أرأيت إن كان قريب الميل وما أشبهه، وقال ما يعجبني، وقاله أصبغ، وقال: إن وقعت فيه المساقاة في المكان البعيد وفاتت رد إلى مساقاة مثله بلا حملان عليه، وسقط الجزءُ الذي بينهما في الشرط.
قال محمد بن رشد: إجازتُه المساقاة في الزيتون البَعل مثل ما في المدونة من إجازة المساقاة في الشجر البَعل والزرع البَعل، وأما اشتراطه على العامل حمل نصيبه إلى منزله فكرهه ابن القاسم إِلَّا أن يكون شيئا ليس عليه فيه مؤنة، وكراهيتُه بينةٌ لأنها زيادة ازدادها رب الحائط على العامل إلا أنه لم يبين وجه الحكم في ذلك إذا وقع، والذي يأتي في ذلك على الأصل الذي ذكرناه في أول سماع ابن القاسم وفي رسم كتب عليه ذكر حق أن يُرَدَّ إذا فات إلى إِجارة مثله إِلَّا في المكان القريب فيشبه أن يرد فيه على مذهبه إِلى مساقاة مثله استحسانا، وأما قول أصبغ إنه يرد إلى مساقاة مثله في المكان البعيد فهو بعيد لا يتخرج إلا على قول من يرد العامل في المساقاة الفاسدة كلها إلى مساقاة مثله جملة من غير تفصيل، وبالله التوفيق.

.مسألة اشترى أصل حائط قد أبر ثم اشترى الثمر قبل أن تزهي:

من سماع أبي زيد بن أبي الغمر قال أبو زيد سُئل ابنُ القاسم عن الرجل اشترى أصل حائط قد أبر ثم اشترى الثمر قبل أن تزهي، قال: فلا جائحة فيها، ولو كان إنما اشترى بعد أن أزهت ففيها جائحة.
قال محمد بن رشد: أما إذا اشترى الثمر قبل أن تزهي بعد أن اشترى الأصل فلا إشكال فيه في أنه لا جائحة فيها كما لو استثناها في ابتياعه الأصل قبل أن تَزهي لأنها في حين البيع لا يقع عليها حصة من الثمن، ولا يجوز بيعها منفردة عن الأصول، فأما إذا اشتراها بعد أن اشترى الأصول أو هي قد أزهت فقوله في هذه الرواية إن فيها الجائحة خلافُ مذهبه في المدونة أنه لا جائحة فيها إذا اشتريت مع الأصول صفقة واحدة بعد الطياب؛ لأنه لا يلزم على هذهَ الرواية إذا اشتراها مع الأصول صفقة واحدة وهي قد طابت وحل بيعها أن تكون فيها الجائحة بما ينوبها من الثمن إذا قبض عليها وعلى الأصل إِذْ لا فرق بين شرائها بعد الطياب في صفقة أخرى أوفي صفقة واحدة؛ لأنه إذا اشتراها مع الأصل في صفقة واحدة فقد وقع لها صحة من الثمن، وهو منصوص عليه لأصبغ في الواضحة، والصحيح ما في المدونة أنه لا جائحة فيها لأنها بالعقد تدخل في ضمانه لكونها في أصولها، فهذه هي العلة في ذلك لَا مَا علل به في المدونة من أنها تبع للأصول، فالجواب في المدونة صحيح والتعليل ضعيف وبالله التوفيق.

.مسألة عابت الجائحة الثمرة ولم تذهب بها:

قال ابن القاسم الحَبْسُ جائحة.
قال محمد بن رشد: وكذلك السلطان والغاصب الذي لا تأخذه الأحكام هو جائحة على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك لأنه أمر غالب وكذلك السارق عند ابن القاسم جائحة لأنه لا يستطاع الاحتراس منه، وقال ابنُ نافع ليس السارق بجائحة، وذهب مطرفٌ وابن الماجشون إلى أنه ليس شيء من ذلك كله جائحة؛ لأنه من صنع آدمي ولا اختلاف فيما كان من غير صنع آدمي كالسمُوم يحرق الثمرة والطير الغالب يأكلها والريح يسقطها إن ذلك كله جائحة، والأول أظَهر ألا فرق بين فعل الآدمي وغيره في ذلك لما على البائع في الثمرة من حق التوفية، وقد اختلف إِذا عَابت الجائحة الثمرة ولم تذهب بها ولا أفسدتها جملة كالغبار يعيبها والريح يسقطها قبل أن يتناهى طيبُها فينقصُها ذلك من قيمتها فقيل وهو المشهور إن ذلك جائحة ينْظَرُ إلى ما نقص العيبُ منها، فإن كان الثلث فأكثر وضع عن المبتاع، وقيل ليس ذلك بجائحة، وله حكم العيب يكون المبتاع فيه بالخيار بين أن يُمسك ولا شيء له، أو يرد ويرجع بجميع الثمن، وإلى هذا ذهب ابن شعبان وقاله ابن الماجشون في أحد أقواله، فإن ذهب على قولهما من الثمرة ثلثها بجائحة عابت البقية من الثمر ورجع بثلث الثمن لما ذهب من الثمر وكان بالخيار في الباقي بين أن يتمسك به أو يرد ويرجع بجميع الثمن وبالله التوفيق.

.مسألة ورق التوت يباع في شجره ثم يصيبها جائحة:

وسئل عن ورق التوت يُباع في شَجَرِهِ ثم يصيبها جائحة أترى أن يوضع عنه الثلث فصاعدا لأنَّ الغرر في أصله؟ قال: بل يوضع عنه ما أصابه من الجائحة من قليل أو كثير، قيل له مثل البقل؟ قال: نعم. قال محمد بن رشد: في الواضحة لابن حبيب خلافُ هذا أن الجائحة في ذلك لا توضع في أقل من الثلث وأنها ليست كالبقول، وقول ابن القاسم أظهرُ بدليل ما ذكرناه من سماع سحنون من المعنى الذي من أجله وضعت في البقول الجائحة في القليل والكثير وبالله التوفيق.

.مسألة يتزوج المرأة بثمرة قد بدا صلاحها كلها فأجيحت:

قال ابن الماجشون في الذي يتزوج المرأة بثمرة قد بدا صلاحها كلها فأجيحت: إِنَّ مصيبتها من الزوج وترجع عليه المرأة بقيمة الثمرة وإنَّما يُحمل النكاحُ بالثمرة إذا أصابتها الجائحةُ مَحْمِلَ البيع، وابنُ القاسم يقول لا جائحة فيها والمصيبة من المرأة ولا ترجع على الزوج بشيء.
قال محمد بن رشد: قول ابن الماجشون هو القياس على أن الصداق ثمن للبضع، وقد قال مالك رَحِمَهُ اللَّهُ: أَشْبَهُ شيء بالبيوع النكاحُ فوجب الرجوع فيه بالجائحة، فقولُه إن الثمرة إذا أجيحت كلها رجعت المرأة على الزوج بقيمة الثمرة وهو المشهور في المذهب، ووجهُهُ أن الثمرة لما كانت عوضا عن البضع وهو مجهول رجعت بقيمتها كما يرجع الزوج على المرأة إذا استحق مِن يده ما خالعت به عن نفسها بقيمته للبضع الذي أخرجه عن يده عوضا عنه، والقياس في النكاح إذا أجيحت الثمرة كلها أن ترجع المرأة بصداق مثلها لأن العوض عن المرأة هو البضع، وقد فات بالعقد أو الدخول، فوجب أن يرجع بقيمته وهو صداق مثلها دخل أو لم يدخل على القول بأنها تفوت بالعقد، وهو قول مالك في رواية أشهب عنه في العتيبة، وعلى القول بأنها لا تفوت بالعقد إن أجيحت الثمرة قبل البناء انفسخ النكاح، وهذا القول قائم من مسألة وقعت في العشيرة ليحيى، ووجه فواته بالعقد ما يوجبه من الحرمة، فهو بخلاف البيوع، ووجه ما ذهب إليه ابن القاسم من أن المصيبة في النكاح إذا أجيحت الثمرة من المرأة ولا رجوع لها على الزوج في ذلك، هو أن النكاح طريقه المُكَاَرَمَةُ بخلاف البيوع التي طريقها المُكَايَسَةُ، وأيضا فإن الصداق على الحقيقة ليس بعوض عن البضع لأن المباضعة فيما بين الزوجين سواء تستمتع به، وإنما هو نحلة من الله فرضها عز وجل للزوجات على أزواجهن فقال تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء: 4] فأشبه الصداق على هذا الهبةَ، فوجب أَلا يرجع فيه بالجائحة، وبالله التوفيق.

.مسألة أعطى نخلة مساقاة على النصف:

قال: وقال سحنون: ولو أن رجلا أعطى نخلة أو كرمة أو زيتونة مساقاة على النصف على أن يسقي ويقطف ويجني على أن يحرث ثلاث حرثات فيعمل العامل جميع العمل الذي اشترطه عليه إِلا الحرث فإنه حرث حرثتين ولم يحرث الثالثة فإنه ينظر إلى ما عمل فيقوَّم ذلك ثم يُنظر إلى ما ترك مما شرط عليه عمله فيقَوَّم ثم ينظر كم هو مما عمل؟ فإن كان الذي ترك ولم يعمله الثلث من جميع ما شرط عليه من العمل حط العاملُ ثلثَ النصف الذي كان له إن كانت مساقاته على النصف وإن كان إنما ساقاه على الثلث أو الربع فكذلك أيضِا يحط عنه ثلث الثلث أو ثلث الربع، وتفسير ذلك أنه ينظر إلى كل ما عمل العامل فيقومه ثم ينظر إلى قيمة ما ترك أن لو عمله فيقوم فيعرف ما اسم قيمة الذي ترك من قيمة الذي عمل فإن كان ثلثا حططت من سهمه ثلثه وإن كان ربعا فكذلك.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله لأن الجزء الذي اشترطه العامل في المساقاة من الثمرة عِوَضٌ عن عمله، فإن نقص من العمل الواجب عليه شيئا وجب أن يحط من جزئه من الثمرة بمقداره وهذا بين والحمد لله.

.مسألة العمل عوض عن الأرض:

قيل أرأيت لو اشترك رجلان فَأَخْرَجَا الزريعة وأخرج أحدهما الأرضَ والآخر العمل وكراء الأرض مثل قيمة العمل، وعلى أن يحرث الأرض ثلاث حرثات فحرث حرثتين ونصف واحدة؟ فقال: ينظر إلى قيمة ما عمل، فإن كان قيمة ذلك عشرين درهما ثم ينظر إلى قيمة السكة التي ترك فإن كان قيمتها عشرة دراهم نظر إلى قيمة ما ترك وهي العشرة كم ذلك من الثلثين الدراهم؟ فيوجد الثلث فيرجع رب الأرض على العامل بمثل ثلث كراء نصف هذه الأرض.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن العمل عوض عن الأرض فإذا قصر في العمل وجب أن يرجع رب الأرض على العامل من كراء أرضه بقدر ما قصر في العمل. وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما والحمد لله على ذلك.

.كتاب الحبس الأول:

.مسألة حبس خادما على قوم مفترقين:

كتاب الحبس الأول من سماع ابن القاسم من مالك من كتاب الرطب باليابس قال سحنون: أخبرني ابن القاسم قال مالك من حبس خادِما على أهل بيت لمِ يدخل عليهم أحد من غيرهم وكانت لِلآخِرِ منهم، ومن حبس خادماَ على قوم مفترقين فمن مات منهم فنصيبُه للذي حبسه، قال ابن القاسم: قال مالك: إن قال لهذا يوم ولهذا يوم رجع نصيب الذي مات إلى الذي حبسه، وإن كان حبسه على قوم ولم يقل لهذا يوم ولهذا يوم فمن مات فنصيبه على من بقي من أصحابه في الحبس، وقال سحنون: هذا أصل جيد فعليه فقس وهي جيدة.
قال محمد بن رشد: أهل البيت هم المنتسبون إلى رجل واحد من رجل أو امرأة انتسابا معروفا يجب به الميراث، فمن حبس حبسا على أهل بيت رجل وجبَ الحبُس للمنتسبين إلى من ينتسب إلى ذلك الرجل من رجل أو امرأة، وفي دُخول ذلك الرجل فيه اختلافٌ، قيل إنه يدخل فيه بالمعنى إذا كان على مثل حالهم من الفقر أو الغنى، وقيل إنه لا يدخل فيه لأنه إنما حبس على أهل بيته ولم يحبس عليه، والقولان يتخرجان على المعنى الذي ذكرته في رسم البز من سماع ابن القاسم من كتاب البضائع والوكالات.
ولا يدخل في ذلك أزواجه إذا لم يُكُنَّ من أهل بيته وإن كن ساكنات معه في بيته، والأصل في ذلك ما روي «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ لما نزلت هذه الآية: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} [الأحزاب: 33] دَعَا عليا وفاطمة وحسنا وحسينا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فقال: اللَّهُمْ هَؤُلاَءِ أَهْلِي» وروي أيضا أنه أدخلهم تحت ثوبه ثم جَأَرَ إلى الله عز وجل فقال: «يَا رِبِّ هَؤُلاَءِ أَهْلِي» وزاد هذا بيانا ما روي عن أم سلمة أنها قالت: «نزلت هذه الآية في بيتي: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} [الأحزاب: 33] فقلت يا رسول الله: ألَسْتُ مِنْ أَهْلِ البَيْتِ؟ قال: أنتِ على خير إنك من أزواج النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ»، وفي البيت عليّ وفاطمة والحسن والحسين، إلَّا أن يعلم أن المحبس أراد بتحبيسه على أهل بيت الرجل السكانَ معه في بيته من أزواجه وغيرهِن بِنَص منه على ذلك أو دليل يدل عليه من عرف بين أو بساط ظاهر.
قال محمد بن رشد: وقولُه في الرواية إن من حبس على أهل بيت لم يدخل عليهم غيرهم صحيحٌ لا اختلاف فيه، إذ لا يدخل في الحبس سوى من حبس عليه، وأما قولُه: وكانت للآخِر ِمنهم، يريد مِلْكا، فوجه ذلك أن مَالِكَا كره في تحبيس الحيوان أن يكون على العقب بخلاف الرباع إلّا أنه إن وقع أمضاه على ما شرطوا إن أرادَ تغيره إلى ما هو أفضلُ للعبد وأقربُ إلى الله فعل، وقال ابن القاسم: كرهه لأنه ضيق على العبد إن كان المحبس عبدا، وقد قال مالك في رسم البز بعد هذا: من حبس خادما على أمه وأخته حُبُسا صدقه لا تباع، وهي على الباقية منهما، فماتت أخته أَلَهُ أن يُبَتِّلَهَا لأمه تبيعها إن شاءت؟ قال: ذلك له إن شاء بعد تفكره فيها وكأنه لم يَرَهَا من ناحية الدور، وفي كتاب ابن المواز وكأنه رَآهُ من البر، وهذا في الحيوان، ولا يجوز في الرباع، قال محمد: وهذا لأنه حق له إلى ما هو أفضل للعبد وله هو في بِرّ ِأمه وأفضل لأمه، فإذا كان أفضلَ للثلاثة فأجيز. في الحيوان، قال ابن القاسم ولو حول الحيوان إلى ما ليس بأفضل مما سبلها فيه لم يجز، قاله مالك، بخلاف الدور لأن الأمة تموت وتمرض، فلما رأى الحبس في الحيوان مكروها، واستحب للمحبس أن ينقضه ويَرُده إلى ما هو أفضل رأى أن يكون الخادم إذا حبسها على أهل البيت للآخر منهم ملكا إذْ لم ينص في تحبيسه أنها ترجع بمرجع الأحباس ولا تباع أبدا، إذ لو نص على ذلك لأمضاه على ما أتت به الرواية عنه إذا فات الأمر بموت المحبس، وأشهب يرى الحبس نافذا على ما شرط في الرقيق والدواب مثل الرباع يلزمه ذلك ويرجع كما ترجع الدور على الأقرب فالأقرب من عصبة المحبس فيسلك بها مسلك الحبس أبدا لا يباع.
وقولُه في الرواية: ومن حبس خادما على قوم مفترقين فمن مات منهم فنصيبه للذي حبسه معناه معَيِّنينَ، ومفترقين من أهل أبيات شتى أو مجتمعين من أهل بيت واحد، وظاهره أن ذلك سواء قسم الخدمة بينهم فقال: لهذا يوم ولهذا يوم، أو سكت عن ذلك لأن الحكْمَ يوجِبه إن سكت عنه، خلاف ما حكى ابنُ القاسم عن مالك بعد ذلك واختاره سحنون واستحسنه وقال فيه إنه أصل جيد، والذي حكى عن مالك من تفرقته بين أن يقسم الخدمة بينهم أو يسكت عن ذلك، وهو نحو ما يأتي في رسم بع ولا نُقْصَانَ عليك من سماع عيسى من تفرقته بين أن يقول في تحبيسه على امرأته وعلى أم ولده بينكما أو عليكما، وذلك كله خلافُ ما في رسم الأقضية الثالث من سماع أشهب في الذي أوصى في غنم له بأنها حبس على يتيمين ليسا من ورثته لهذا منها قطيع عليه يسميه، ولهذا منها قطيع عليه وقال: من مات منهما فلا حق له: إن من مات منهما رجع حظه على صاحبه.
فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: أن من مات منهما أو منهم إن كانوا جماعة رجع حظه على صاحبه أو على أصحابه جملة من غير تفصيل، والثاني: أن حظه يرجع إلى المحبس ولا يرجع على صاحبه ولا على أصحابه جملة من غير تفضيل، والثالث: الفرق بين أن يقسم الخدمة بينهما أو بينهم فيقول لهذا يوم ولهذا يوم أو يقسم الغنم بينهما أو بينهم لهذا منها قطيع بسهمه ولهذا منها قطيع بسهمه، أو يقول في تحبيسه: حبست هذا الشيء بينكما أو بينكم أو يسكت عن ذلك كله، فلا يقسم الخدمة بينهما في الخادم ولا الغنم بينهما ولا يقول في تحبيسه الشيء: هو بينكما أو بينكم ويقول: هو عليكما أو عليكم، فإن قسم الخدمة بينهما أو الغنم أو قال في التحبيس: بينكما ولم يقل عليكما رجع حظ الميت منهما إلى المحبس، وإن لم يقسم الخدمة بينهما ولا الغنم أو وقال في التحبيس: عليكما ولم يقل بينكما رجع حظ الميت منهما على صاحبه ولم يرجع إلى المحبس.
فإذا انقرضا جميعا رجعت الخادم إلى المحبس مالا من ماله إن كان حيا أو إلى ورثته إن كان ميتا، وعلى قول مالك الثاني في المدونة ترجع الخادم بعد انفراضهما لأقرب الناس بالمحبس حبسا ولا ترجع إليه ملكا مطلقا على ما قاله ابن القاسم في رسم استأذن من سماع عيسى من أن الدور والعبيد ترجع بمرجع الأحباس على أقرب الناس بالمحبس حبسا يريد على أحد قولي مالك في المدونة.
بخلاف الدنانير والدراهم إنها ترجع بانقراض المحبس عليه إلى المحبس ملكا؛ لأن الدنانير والدراهم يضمنها المحبس عليه ويكره تحبيسها، فلا ترجع بمرجع الأحباس، فالدور والعقار يجوز التحبيس فيها ولا يكره، فيلزم وينفذ على سنته ويرجع بمرجع الأحباس في الموضع الذي نصوا فيه على ذلك، وأما الحيوان فقيل إن التحبيس فيها جائز وهو مذهب أشهب وظاهر ما في المدونة، وقيل هو مكروه، وقيل يجوز في الخيل وحدها ويكره فيما عداها من الدواب والأنعام والعبيد والإماء خاصة لما يرجى لهم من العتق، ويجوز فيما سوى ذلك من الحيوان، وهذا القول هو المنصوص عليه لمالك، فعلى القول بجواز الحبس في ذلك ينفذ الحبس فيها على سنته ويرجع بمرجع الأحباس في الموضع الذي يرجع فيه العقار بمرجع الأحباس، وعلى القول بالكراهة لا يرجع بمرجع الأحباس ويكون لآخر العقب ملكا إن كان الحبس معقبا وهو قول مالك في هذه الرواية: من حبس خادما على أهل بيت لم يدخل عليهم أحد من غيرهم وكانت للآخر منهم، وإن لم يكن معقبا وكان على معينين لم ترجع بمرجع الأحباس، وإن قال فيه حبسا صدّقه لا تباع ولا توهب ويرجع إلى المحبس ملكا بعد انقراض المحبس عليهم، وهو قول مالك في رسم البز في الذي حبس جارية له على أخته وأمه صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث وأيهما ماتت قبل صاحبتها رجعت على الباقية: إن له أن يبتلها لأمه إذا ماتت أخته إذ لو لم ترجع إليه بعد انقراض أمه ملكا لما صح له أن يبتلها لها، وكذلك العروض والسلاح والزروع والثياب قيل تحبيسها جائز وقيل مكروه، فعلى القول بجواز تحبيسها ترجع بمرجع الأحباس في الموضع الذي يرجع فيه العقار بمرجع الأحباس، وعلى القول بكراهة تحبيسها لا ترجع بمرجع الأحباس وتكون لآخر العقب ملكا أو ترجع إلى المحبس إن لم يكن الحبس معقبا وكان على معينين، وهذا الاختلاف كله إنما هو في التحبيس المعقب أو على النفر بأعيانهم، وأما تحبيس ذلك كله لينتفع بعينه في السبيل أو ليجعل غله ماله غلة من ذلك بكراء وغيره موقوفة لإصلاح الطرق أو منافع المساجد أو لتفرق على المساكين أو ما أشبه ذلك، فلا اختلاف في جوازه ما عدا العبيد والإماء، فإن ذلك يكره فيهما لما فيه من التضييق عليهما من أجل ما يرجى لهما من العتق، فإن وقع وفات نفذ ومضى، وما لم يفت استحب لمحبسه أن يصرفه إلى ما هو أفضل منه.
وأما الدنانير والدراهم وما لا يعرف بعينه إذا غيب عليه فالتحبيس مكروه، فإن وقع كان لآخر العقب ملكا إن كان معقبا، وإن لم يكن معقبا وكان لمعينين رجع إليه بعد انقراض المحبس عليهم، والفرق بين العقار وبين ما سواه عند من يكره تحبيسه أن ما عدى العقار لم يأت فيه عمل يرده على العقب، فوجب رجوعه إليه بانقراض المحبس عليهم أو كونه لآِخر العقب ملكا ومن أجازه قاسه على العقار، وبالله التوفيق.
فهذا وجه القول في هذه المسألة، وقد رأيتُ لابن دحون فيها كلاما غير محصل، قال: أجاز مالك في الحيوان خاصة أن يبيع للآخر منهم إن بتله له إذا حبسه على أهل بيت أو على قوم مفترقين مجهولين، فإن كانوا معلومين رجع نصيب من مات منهم إلى الذي حبس ذلك، وقيل عنه يرجع إلى أصحابه، وذلك غير صحيح؛ إذ لا فرق بين الحيوان وغيره في أن الآخر منهم له أن يبيع ما حبس عليهم إذا بُتل له، وبالله التوفيق.

.مسألة حبس حبسا صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث على نفر ما عاشوا:

قال ابن القاسم وسمعت مالك قال: من حبس حبسا صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث على نفر ما عاشوا، ثم هلك الذين حبس عليهم وانقرضوا قال: يَرْجِعُ إلى عَصَبَةِ المحبس ويدخل معهم النساء في السكنى إن كان سكنى أو في الغلة إن كانت غلة، قال ابن القاسم: يريد البنات والأخوات والأمهات والجدات والعمات ولا يدخل في ذلك الزوجات ويبدأ بالأقرب فالأقرب في ذلك.
قال محمد بن رشد: قولُه من حبس حبسا صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث على نفر ما عاشوا ثم هلك الذين حبس عليهم وانقرضوا: إن ذلك يرجع بمرجع الأحباس إلى عصبة المحبِّس، يريد ولا ترجع إلى المحبس ملكا مطلقا، هو نص قول مالك في المدونة، وحكى ابنُ القاسم عنه فيها أن قوله لَمْ يختلف فيه، وليس ذلك بصحيح، قد روى ابنُ عبد الحكم عن مالك في كتابه أنه ترجع إليه ملكا مطلقا بعد موت المحبس عليه وإن قال حبسا صدقة إذا كان على معين، وهو قولُ ابن وهب في رسم الوصايا والأقضية من سماع أصبغ أنه ترجع إليه ملكا مطلقا إذا حبس على معين وإن قال في حبسه: لا تُباع ولا توهب لاحتمال قوله لا تُباع ولا توهب حياة المحبَّس عليه، كما يحتمل قوله أيضا: صدقة، صدقة الغلة عليه حياته.
وأما قوله: ويدخل معهم النساء في السكنى إن كان سكنى أو في الغلة إذا كانت غلة، ففي ذلك اختلاف يتحصل فيه ثلاثة أقوال أحدها: أنه يدخل فيه من أهل بيت المحبس من النساء من يرث منهن وهن البنات وبنات الأبناء وإن سَفُلُوا، والأخوات الشقائق واللواتي لأب ومن لو كان رجلا منهن وَرِثَ وهن العمات وبناتُ الأخ وبناتُ ابن الأخ وبناتُ العَمّ وبناتُ ابن العم وبنات المولى المعتق، وهو الذي يأتي على قول ابن القاسم في هذه الرواية، والقول الثاني: أنه لا يدخل فيه من أهل بيت المحبس من النساء إلا من ترث منهن خاصة، وهن البنات وبنات الأبناء والأخوات الشقائق واللواتي لأب، وهو قول ابن القاسم في سماع سحنون، والقول الثالث: أنه لا يدخل فيه أحد من النساء وإنما مرجع الُحبُس إلى العصبة من الرجال وهو الذي في سماع أصبغ أراه لابن وهب، ولا يدخل الأبْعَدُ مع الأقرب من الرجال أو النساء إلَّا فيما فضل عنه أو عنها، وإذا كان الرجال والنساء في درجة واحدة فهم فيه شَرَعٌ سواء للذكر منهم مثل حظ الأنثى، واختلف أيضا هل تدخل فيه الأمهات والجدات، فقيل: إنهن يدخلن فيه لأنهن من قرابة المحبس، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية، وقيل: إنهن لا يدخلن فيه؛ لأنهن ليس من حرم نسب المحبس، وهو قول مالك في رواية أشهب عنه ومذهب عبد الملك بن الماجشون وقيل: تدخل الأم ولا تدخل الجدة، وهو قول ابن القاسم في رسم نقدها من سماع عيسى بعد هذا على ما تأوله بعضُ أهل النظر في الرواية حسبما نذكره إن شاء الله، وقيل تدخل الجدة للأب ولا تدخل الجدة للأم، وهو قول ابن القاسم في الواضحة، ولا اختلاف في أنه لا يدخل فيه من النساء الأخوات للأم ولا الخالات ولا بنات البنات ولا بنات الأخوات، ولا يدخل فيه أيضا الإخوة للأم ولا بنو البنات ولا بنو الأخوات، وسنذكر في سماع سحنون إن شاء الله الاختلاف فيمن يرجع إليه الحبس من قرابة المحبس هل يختص بذلك الفقراء منهم دون الأغنياء أو يدخل معهم فيه الأغنياء إذا لم يكن أصلُ الحبس على الفقراء وبالله التوفيق.

.مسألة حبس حبسا على آل فلان:

قال ابن القاسم: وسمعت مالكا قال: من حبس حُبُسا على آل فلان فإنها حبس على آله ما بقىِ منهم أحد لأبنائهم وأبناء أبنائهم، وإن سمى قوما بأعيانهم فإنها ترجع بعدهم إلى أقرب الناس به حبسا على ما وضعه، قال ابن القاسم: آله وأهلُه سَوَاءٌ، هُمْ العصبة والأخوات والبنات والعمات ولا أرى ذلك للخالات.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم: آلهُ وأهلُه سَوَاءٌ، همْ العصبة والأخوات والبنات والعمات ولا أرى ذلك للخالات مفسر لِقول مالك، فَصَوَابُه في التأليف أن يكون متصلا به، وفصل العتبي بينهما بقوله: وإن سمى قوما بأعيانهم إلى آخر قوله تقصير في التأليف والآل والأهل سواء كما قال ابن القاسم إلَّا أن الآل إنما يستعمل في الرجل الكبير الذيِ له العشيرة بالأبناء الرجال والنساء من قبل أبيه الذين يُعرف نسبُهم منه وتقوم به الشهادات وتثبت به المواريث فيمن يرث منهم.
وقولُه: ولا أرى ذلك للخالات، ظاهرهُ وإن لم يبق من قرابته من قِبَلِ أبيه أحدٌ فلا دخول في ذلك لقرابته من قبل أُمه، وهو قول أبي زيد بن أبي الغمر إن الرجل إذا أوصى لقرابته أو لأهله إِنه لا يدخل في ذلك أحد من قبل أُمه خال ولا خالة وإن لم يبق من قرابته أحدٌ سواهم.
وأما إذا لم يكن له حين أوصى أو حين حبس قرابة من قبل أبيه فيكون الحبس أو الوصية لقرابته من قبل أمه على ما قاله مالك في رسم أسلم من سماع عيسى من كتاب الوصايا في الذي أوصى لقرابته إِن الوصية تكون لقرابته من قبل أبيه إلَّا ألا يكونَ له قرابة من قبل أبيه فيكون لقرابته من قبل أمه، والنساء والرجال فيه شَرَعُ سواء، واستحب أشهب في الرسم المذكور أن تدخل في ذلك قرابتُه من قبل الرجال والنساء لأبيه وأمه، وفي هذا خارج المذهب اختلافٌ كثير قد ذكره الطحاوي ورجح منه ما حكيناه على المذهب من أن الوصية والحبس يكونان لمن جمعه والمُوصي لأهله أو المحبِّس على أهله أب واحد في الجاهلية أو الإسلام ببينة تقوم على ذلك.
وقوله في الرواية: وإن سمى قوما بأعيانهم فإنها ترجع بعدهم إلى أقرب الناس به حبسا على ما وضعه، هو مثل أحد قولي مالك في المدونة، والقولُ الثاني أنها ترجع إليه ملكا مطلقا أو إلى ورثته يوم مات إن كان مات قبل أن ينقرض المحبَّس عليهم بأعيانهم.
وذهب محمد بن المواز إلى أنه إذا حبس على معين وقال حياته أو أجل أجلا خرجت المسألة من الاختلاف، واعترض ذلك أبو إسحاق التونسي وقال: لا فرق بين أن يقول حياتَه أو يسكت عن ذلك؛ لأن ذلك مفهوم من إرادته وإن سكت عنه، ألا تَرى أنه لو حبس على غير معينين وقال حياتهم لم يكن لذكر ذلك تأثيرٌ ولَوَجب أن يرجع الحبس بعد انقراض المحبس عليهم إلى أقرب الناس بالمحبس حبسا، وهذا الذي قاله هو مذهب أصبغ، وأما مذهب مطرف فعنده أنه إذا عقِّب الحبس وقال مع ذلك: ما عاشوا، أنها حبس عليه وعلى عقبه ما عاشوا، فإذا انقرض عقبه رجعت إلى صاحبها إن كان حيا يبيع ويصنع ما شاء، وإلى ورثته من بعده، وعندي أنه لا فرق بين الموضعين فإذا قال: ما عاشوا في المعينين أو في الحبس المعقب، رجعت إلى المحبس ملكا عند ابن المواز ومطرف، وإذا سكت عن ذلك رجع الحبس المعقب إلى أقرب الناس بالمحبس، وكذلك غير المعقب على أحد قولي مالك على مذهب أصبغ لا فرق بين أن يقول ما عاشوا أو يسكت عن ذلك في المسألتين جميعا يرجع الحبس المعقب إلى أقرب الناس بالمحبس، وغيرُ المعقب يجري على اختلاف قول مالك بين هذا، ويدل على صحته ما وقع في رسم يسلف بعد هذا من أنه إذا حبس على أجنبي حياته يرجع الحبس بموت المحبس عليه إلى أقرب الناس بالمحبس يوم يرجع.
فيتحصل في الحبس على المعينين ثلاثة أقوال: قولان، وتفرقةٌ بين أن يقول حياتَهم وبين أن يسكت عن ذلك، وفي الحبس المعقب قولان إذا قال حياتهم، ولا اختلاف إذا لم يقل حياتهم أنه يرجع بمرجع الأحباس، وأما إذا ضرب أَجَلا فلا اختلاف عندي في أنها ترجع إليه أو إلى ورثته بعد الأجل ملكا مطلقا، وقد ذهب أبو إسحاق التونسي إلى أنه لا فرق بين أن يقول حياتَه أو يضرب أجلا، والفرق بينهما عندي بين، وبالله التوفيق.